ابن عربي
52
ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق
المطلوب فإن سيرها ينتهي إلى المكانة التي ينعدم فيها الاسم ويضمحل الرسم . [ توجه التكاليف الروحانية والحسية إلى القوى الإنسانية ] حملن على اليعملات الخدورا * وأودعن فيها الدّمى والبدورا اليعملات : هي الإبل التي يعمل عليها ، وهي في إشارة هذا القائل القوى الإنسانية التي توجهت عليها التكاليف الروحانية والحسية ، فهي التي يقع عليها العمل ، وكنّى بالخدور عن الأمور التي كلفوا بها ، وهي الأعمال ، وجعلها خدورا لأنها تحوي على أسرار من العلوم والمعارف التكليفية ، كما تحوي الخدور على هؤلاء الحسان المشبهات بالدمى في حسن الصورة ، والبدور في الكمال والرفعة ، فتكون المعارف على حسب ما وقع به التشبيه لأن المعارف متنوعة بالذي يريد صاحبها منها عليه يدل بأمر يناسبه من وجه ما مناسبة لطيفة لدلالة غيبية ، كما قال تعالى : مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ [ النور : 35 ] بشروطه من الزجاجة التنزيه الذي هو الجسم الشفاف الصافي والزيت المضاف إلى الاعتدال الذي لم يؤثر فيه إلا هو ، فيعلم من هذا التشبيه أي نور أراد ، وهكذا جميع الأمور التي يريد العارف أن يوصلها إلى الأفهام ، فينبغي للناظر أن يتحقق ذلك ويمعن النظر فيه جهده ، ولا ببادي الرأي ، فيسرع إليه الخطأ إلا أن يكون هذا الناظر له سلطان على معرفة الخاطر الأول في كل شيء فإنه يقف عنده ، فذلك الذي يعطيه هذا المطلوب بلا شك فلا يخطئ أبدا . وواعدن قلبي أن يرجعوا * وهل تعد الخود إلّا غرورا « 1 » ينبه في هذا البيت على أنّ هذه المعارف التي ذكرها هي من المعارف التي في طيها مكر خفي نبّه على ذلك بقوله : وهل تعد الخود إلّا غرورا ؟ ليطمئن العارف على عودها عليه أو أمثالها بمجرد ما وعدت ربما يحمله ذلك على عدم الاستعداد الذي يخلقه اللّه تعالى به لتلقيها فيكون ممن يتبع شهواته ويتمنى على اللّه الأماني ، فينبغي للعارف أن لا يفتر ، وأن يكون قائما على قدم طلب المزيد كما قال لنبيه عليه الصلاة والسلام : وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً [ طه : 114 ] . وحيّت بعنّابها للوداع * فأذرت دموعا تهيج السّعيرا يقول : هذه النكتة الإلهية التي ذكرنا أنها من باب الممكن إنما كانت لما كان ينالها من باب الاكتساب لا من باب الوهب أحدث فيها التعمل الكوني تغيرا كنّى عنه بلون العّناب « 2 » يشير إلى أنملتها « 3 » كأنه توحيد فيه ضرب من الاشتراك ، ولكن مع هذا كله فإقامتها في القلب أحسن من رحيلها ، فإنها عاصمة للعارف ما دامت قائمة به ،
--> ( 1 ) الخود : الفتاة الشابة الحسنة الخلق ( ج ) خود وخودات . ( 2 ) العنّاب : ثمر شجر شائك من الفصيلة السدرية . أحمر . حلو لذيذ الطعم ، له نواة . ( 3 ) الأنملة : رأس الإصبع ، أو المفصل الأعلى من الإصبع الذي فيه الظّفر ( ج ) أنامل وأنملات .